ابن تيمية

6

منهاج السنة النبوية

الْأَرْضِ ذَهَبًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَيْتُ بِهِ نَفْسِي مِنْ هَوْلِ الْمَطْلَعِ . وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ ( 1 ) : { وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ } [ سُورَةُ الزُّمَرِ : 47 ] . فَلْيَنْظُرِ الْمُنْصِفُ الْعَاقِلُ قَوْلَ الرَّجُلَيْنِ عِنْدَ احْتِضَارِهِمَا ، وَقَوْلَ عَلِيٍّ ( 2 ) : مَتَى أَلْقَى الْأَحِبَّةَ مُحَمَّدًا وَحِزْبَهُ ( 3 ) مَتَّى أَلْقَاهَا مَتَى يُبْعَثُ ( 4 ) أَشْقَاهَا وَقَوْلَهُ حِينَ قَتَلَهُ [ ابْنُ مُلْجَمٍ ] : فُزْتُ ( 5 ) وَرَبِّ الْكَعْبَةِ " . وَالْجَوَابُ : أَنَّ فِي هَذَا الْكَلَامِ مِنَ الْجَهَالَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى فَرْطِ جَهْلِ قَائِلِهِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ عَنْ عَلِيٍّ قَدْ نُقِلَ مِثْلُهُ عَمَّنْ هُوَ دُونَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ [ وَعَلِيٍّ ] ( 6 ) ، بَلْ نُقِلَ مِثْلُهُ عَمَّنْ يُكَفِّرُ عَلِيَّ [ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ] ( 7 ) مِنَ الْخَوَارِجِ ، كَقَوْلِ بِلَالٍ عَتِيقِ أَبِي بَكْرٍ عِنْدَ الِاحْتِضَارِ ، وَامْرَأَتُهُ تَقُولُ : وَاحَرْبَاهُ ، وَهُوَ يَقُولُ : وَاطَرَبَاهُ غَدًا أَلْقَى الْأَحِبَّةَ مُحَمَّدًا وَحِزْبَهُ . وَكَانَ عُمَرُ قَدْ دَعَا لَمَّا عَارَضُوهُ فِي قِسْمَةِ الْأَرْضِ فَقَالَ : " اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِلَالًا وَذَوِيهِ " فَمَا حَالَ الْحَوْلُ وَفِيهِمْ عَيْنٌ تَطْرُفُ ( 8 ) .

--> ( 1 ) ك : قَوْلِهِ تَعَالَى . ( 2 ) ك : عَلِيٍّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ . ( 3 ) هَذَا الْبَيْتُ فِي ( ك ) هُوَ الثَّانِي فِي التَّرْتِيبِ وَيَسْبِقُهُ الْبَيْتُ التَّالِي . ( 4 ) ر ، ي : يَنْبَعِثُ ، ك : يُبْتَعَثُ . ( 5 ) ك : وَقَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ قُتِلَ : فُزْتُ ، ح ، ب : وَقَوْلَهُ حِينَ ضَرَبَهُ ابْنُ مُلْجَمٍ : فُزْتُ . ن ، م : وَقَوْلَهُ حِينَ قَتَلَهُ : فُزْتُ . ( 6 ) وَعَلِيٍّ : سَاقِطَةٌ مِنْ ( ن ) ، ( م ) . ( 7 ) ن ، م : يُكَفِّرُ عَلِيًّا . ( 8 ) ذَكَرَ هَذَا الْخَبَرَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ فِي كِتَابِهِ الْأَمْوَالِ ص 81 تَحْقِيقِ الشَّيْخِ مُحَمَّد خَلِيل هَرَّاس ، ط . الْكُلِّيَّاتُ الْأَزْهَرِيَّةُ 1389 1969 فَقَالَ : وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، حَدَّثَنَا الْمَاجِشُونُ ، قَالَ : قَالَ بِلَالٌ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الْقُرَى الَّتِي افْتَتَحَهَا عَنْوَةً : اقْسِمْهَا بَيْنَنَا ، وَخُذْ خُمُسَهَا ، فَقَالَ عُمَرُ : لَا هَذَا عَيْنُ الْمَالِ ، وَلَكِنِّي أَحْبِسُهُ فِيمَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ ، فَقَالَ بِلَالٌ وَأَصْحَابُهُ : اقْسِمْهَا بَيْنَنَا ، فَقَالَ عُمَرُ : اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِلَالًا وَذَوِيهِ ، قَالَ : فَمَا حَالَ الْحَوْلُ وَمِنْهُمْ عَيْنٌ تَطْرُفُ ، قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي تَعْلِيقِهِ : لَا تَظُنُّ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَعَا عَلَى بِلَالٍ وَأَصْحَابِهِ بِالْمَوْتِ ، كَيْفَ وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ فِي شَأْنِ بِلَالٍ : أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا أَعْتَقَ سَيِّدَنَا . يَعْنِي بِلَالًا ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنْ يَكْفِيَهُ اللَّهُ خُصُومَتَهُمْ مَعَهُ ، وَانْظُرْ خَبَرَ تَقْسِيمِ أَرْضِ سَوَادِ الْعِرَاقِ وَمَوْقِفِ بِلَالٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي " أَخْبَارِ عُمَرَ " لِعَلِيٍّ وَنَاجِي الطَّنْطَاوِيِّ ص 113 ط . دِمَشْقَ 1379 1959